علاقة علم المكتبات والمعلومات بالعلوم الأخرى.


اعداد / أ.د محمد الهادي الدرهوبي.

أستاذ علم المكتبات والمعلومات كلية التربية ترهونة جامعة الزيتونة


استفاد علم المكتبات والمعلومات من التجارب التي مرت بها تطورات العلوم الأخرى، وفي الوقت نفسه فقد ارتبط هذا العلم ارتباطاً عضوياَ بالقسم الأكبر من العلوم وخاصة العلوم الاجتماعية والانسانية كما ارتبط أيضا بالعلوم البحثة - النظرية- والتطبيقية – التكنولوجية.  كما أن استخدام علم النفس لدى المشرفين في المكتبات للتعرف على الجوانب السلوكية والنفسية التي تؤثر على العاملين في المكتبات ومراكز المعلومات، والتعرف على نفسية القارىء والمطالعات المفضلة لديه والجو والبيئة التي تلائمه وتساعده على الاطلاع والبحث. وهذا ما يبرر تأكيدنا على أن انتماء هذا العلم يجب أن ينطوي تحت لواء العلوم الاجتماعية والإنسانية وليس الآداب والتاريخ ، وعلوم الإعلام والاتصال.



علاقة علم المعلومات بعلم المكتبات والتوثيق:



يقدم علم المعلومات الأسس الفكرية والنظرية لما ينهض به المكتبيون من تبعات، فكلا المجالين يكمل أحدهما الآخر حيث يذكر بوركو علم المكتبات والتوثيق هما أوجه تطبيقية لعلم المعلومات. وأن الأساليب والاجراءات التي يستخدمها المكتبيون والموثقون تعتمد أو يجب أن تعتمد على النتائج النظرية لعلم المعلومات ومن ناحية أخرى فانه ينبغي على الباحث أو المنظر أن يدرس الأساليب التي يتناولها الممارس.
وعلى هذا الأساس، فان تسمية المعلومات ينبغي أن تظهر في التخصص حتى يتطابق التكوين مع اسم القسم أوالمعهد.
انتماؤه:
عالج العالم الهندي رانجاناتان قضية انتماء التخصص حين أكد على أن المؤسسات الاختزانية لأوعية المعلومات هي ظاهرة اجتماعية أساساً سواء في علاقاتها بالمستفيدين أو بوضعها في المجتمع من ناحية الدور والأهداف، أو بدراسات متخصصيها التي تركز على تحليل دورها الاجتماعي والثقافي ثم بالعلاقات المتبادلة بين أوعية المعلومات وبين مستفيديها وبين المجتمع ككل، علاوة على أن كل الدراسات النظرية في التخصص تستخدم أساليب ومناهج العلوم الاجتماعية.
وكنتيجة منطقية لوجود تخصص المكتبات والمعلومات داخل اطار الدراسات والعلوم الاجتماعية، ينبغي أن يتبع هذا الاختصاص بكليات التربية مثلما هو الحال في الجزائر وكذلك السعودية ، بينما في مصر يتبع عموماً لكليات التربية وكليات الآداب في آن واحد ، وفي ليبيا لكليات التربية والآداب، بينما في لبنان نجده تابعاً لكلية الاعلام ودراسات الاتصال. ونادراً ما نجده مستقلا عن كلية من الكليات الجامعية كما هو الحال بالنسبة لمدرسة علوم الاعلام بالمغرب.
مستقبله:



ولعل أبرز التطورات المستقبلية المحتملة كما يراها الدكتور أسامة محمود السيد هي:



- قلة حدة الانقسامات في التخصص: وذلك بالاتفاق على وحدة الجذور والوظائف والأهداف لتخصصي المكتبات والمعلومات.
-تغيير في بعض وظائف المكتبات ومراكز المعلومات: ويعود ذلك الى الانفجار المعلوماتي على اختلاف أنواعه وأشكاله الورقية وغير الورقية.
- زيادة الأهمية والطلب على المتخصصين في المعلومات: مما لا شك فيه أن الطلب على المتخصصين في المكتبات والمعلومات سيزيد باستمرار مع زيادة نشاط المعلومات في المجتمع، ومع زيادة عدد المؤسسات التي تقدم خدمات المعلومات.
- حاجة المكتبات المدرسية إلى المتخصصين كأمناء مكتبات مدرسية يقومون بتدريس حصة للمكتبة المدرسية .
.التكوين في علم المكتبات والمعلومات  :
سنعرض بإيجاز نشأة وتطور تعليم المكتبات والمعلومات في العالم، ثم الوطن العربي.


نشأته وتطوره في العالم الغربي:



-البداية من أمريكا : لقد شهد عام 1887 افتتاح أول كلية جامعية لتعليم المكتبات في العالم وكانت في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ، الا أن محاولات تحويل هذا التعليم والاعداد الى برامج رسمية داخل الجامعات والمعاهد العليا بدلاً من كونها مجموعة من البرامج والدورات التدريبية ، ترجع الى بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر .
ولقد كان للجمعيات المكتبية الأمريكية دور هام لوضع أسس وتعاليم هذا العلم في الجامعات الأمريكية وهي الرائدة في هذا المجال .
ولوتتبعنا تطوير تعليم المكتبات والمعلومات خارج الولايات المتحدة الأمريكية، لوجدنا أنه قد سار ببطء متناه في النصف الأول من القرن العشرين مقارنة بتطوره السريع في الولايات المتحدة الأمريكية.
-فرنسا وألمانيا  :  رغم أن الدراسات الجامعية بها بدأت في السنوات الأولى من القرن العشرين الا أن انتشار البرامج من الناحية العددية كان قليلا بل وكان مركزا أيضا على درجة الدبلوم.
-بريطانيا  : إن انتشار البرامج فيها كان بطيئا للغاية ولم يكن هناك الا مدرسة واحدة حتى عام 1951.
-كندا: لقد كان عام 1951 نفس العام الذي بدأت فيه حركة التعليم في كندا.
-استراليا : تأثرت البرامج في أستراليا حتى بداية السبعينات بالنظام البريطاني في منح درجة جامعية أولى أو دبلوم مهني بدلاً من الماجستير.
-الدول الاسكندنافية:   ظلت البرامج في معظم هذه الدول لا تتبع جامعات حتى بداية الستينات بل كان معظمها يتبع جمعيات مهنية.
-دول أوروبا الشرقية : لم تبدأ البرامج في هذه الدول إلا بعد الحرب العالمية الثانية وكانت في معظمها ما عدا تشيكوسلوفاكيا آنذاك وبولندا خارج اطار الجامعات والمعاهد العليا.



- بعض الدول الأخرى :



 لقد بدأت الدراسة في كل من الهند والبرازيل على المستوى الجامعي منذ الربع الأول من القرن العشرين وتبعتهم بعد ذلك الفلبين ونيجيريا وكانت هذه الدول في معظمها تميل الى اعداد برامج على مستوى درجة البكالوريوس والليسانس.
وعموماً فقد انتشرت هذه البرامج في النصف الثاني من القرن العشرين بفعل حركة استقلال الدول في آسيا وافريقيا وبداية حركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تطلبت التوسع في التعليم العالي الذي قابله من ناحية أخرى افتتاح جامعات ومعاهد عليا كانت في حاجة شديدة الى أمناء مكتبات مدربين للعمل بها ، الا أن هذا الانتشار صاحبه اختلاف واضح في النظم التعليمية والمقررات والشهادات والدرجات العلمية . إن تعليم المكتبات والمعلومات خارج الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا رغم انتشاره السريع في النصف الثاني من القرن العشرين في دول العالم المختلفة الا أنه يسير في نفس المسارات التي سار فيها التعليم في مراحله الأولى في كل من الدولتين، فهو  يبدأ بمجموعة دورات في المكتبات وخاصة المكتبات الجامعية مع التوسع  في التعليم العالي ، ثم مجموعة دورات متوسطة الأجل على المستوى الوطني تقوم بها بعض الجمعيات المهنية أو المؤسسات العلمية والأكاديمية ، ثم تعليم يبدأ داخل الجامعات أو المعاهد على مستوى الدرجة الجامعية الأولى في التخصص يتجه ليكون على مستوى البكالوريوس أو الليسانس في الدول النامية ، والى درجة الدبلوم المهني في الدول الأخرى في أوروبا ، ثم يبدأ بعد ذلك هذا التعليم في الاستقرار ومواصلة منح الدرجات العلمية على مستوى الماجستير والدكتوراه.



نشأة وتطور علم المكتبات في العالم العربي:
يكاد لا يخلو عصر من عصور الحضارة في أي دولة عربية من مكتبات شهيرة ومرموقة، خلفتها حضارات قديمة تعاقبت على عدد من البلدان العربية، كالحضارة البابلية والآشورية في العراق والحضارة الفرعونية في مصر ، وكانت هذه الحضارات بمثابة المهد للمكتبات ليس في العالم العربي فحسب بل للعالم بأسره.
-الحضارة الاسلامية:
جاءت بعدها مكتبات العصور الاسلامية الزاهرة في العصور الأموية والعباسية والمملوكية والفاطمية  وقد رصد الحلوجي عشرات المكتبات العربية العظيمة على امتداد الحضارة في الدول العربية، ولا تختلف هذه المكتبات بصورها المتطورة المختلفة من ناحية اسناد مسؤوليات العمل فيها الى قادة ثقافيين في المجتمعات التي تواجدت بها، مثلها في ذلك مثل المكتبات الاخرى في ذلك الوقت في باقي دول ومناطق العالم.
-بداية القرن العشرين:
بدأت لأول مرة وبعد الربع الأول من القرن العشرين مجموعة من البعثات صغيرة العدد في الأفراد تخرج الى يريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا لحضور دورات تدريبة قصيرة المدى يعود بعدها هؤلاء لتولي مناصب قيادية في مكتباتهم ثم محاولة نقل الخبرات التي اكتسبوها إلى زملائهم الجدد أو الذين لم تتح لهم فرصة السفر أو التدريب بالخارج.




بعد الحرب العالمية الثانية:



        لقد استمر إعداد العاملين في المكتبات العربية بهذا الشكل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، فبدأت مع سنوات الأربعينات الأخيرة مرحلة جديدة من مراحل اعداد أمناء المكتبات العرب وهي تولي مؤسسات أكاديمية كالجامعات وحكومية كوزارات التربية والتعليم أو مهنية كبعض الجمعيات المتخصصة أو المكتبات وبالذات الوطنية والجامعية  عقد دورات تدريبية كان يتولى التدريس فيها أمناء مكتبات أجانب من الولايات المتحدة وانجلترا وخاصة في مصر والعراق والأردن، أو فرنسيون في الجزائر والمغرب ولبنان.

منتصف القرن العشرين:



 لقد بدأت النهضة الحقيقية والسريعة في تعليم المكتبات والمعلومات في الدول العربية مع افتتاح قسم المكتبات والوثائق بجامعة القاهرة في مصر عام 1951 ثم تعاقبت بعد ذلك الأقسام في السودان 1966 والملكة العربية السعودية بمعهد الادارة أولا في عام 1968ثم في أربع جامعات مختلفة حتى الآن، ثم بالعراق في 1968 والمغرب 1974 والجزائر 1975 وليبيا 1976 وتونس 1979 وعمان 1987 .علاوة على الأقسام التي تمارس عملها على مستوى الدراسات العليا في عدد من الدول أو التي تنظم برامج الدبلومات المتوسطة.

التعليقات